فصل: تفسير الآيات (1- 4):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: النكت والعيون المشهور بـ «تفسير الماوردي»



.تفسير الآيات (36- 44):

{فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (37) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (39) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (44)}
{فما للذين كَفَروا قِبلَكَ مُهْطِعينَ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: مسرعين، قاله الأخفش، قال الشاعر:
بمكةَ دارُهم ولقد أراهم ** بمكةَ مُهطِعين إلى السماع

الثاني: معرضين، قاله عطية العوفي.
الثالث: ناظرين إليك تعجباً، قاله الكلبي.
{عن اليمين وعن الشِّمال عِزِينَ} فيه خمسة أوجه:
أحدها: متفرقين، قاله الحسن، قال الراعي:
أخليفةَ الرحمنِ إن عشيرتي ** أمسى سَراتُهُمُ إليك عِزينا.

الثاني: محتبين، قال مجاهد.
الثالث: أنهم الرفقاء والخلطاء، قاله الضحاك.
الرابع: أنهم الجماعة القليلة، قاله ابن أسلم.
الخامس: أن يكونوا حِلقاً وفرقاً.
روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم حِلَق فقال: «ما لي أراكم عزين» قال الشاعر:
ترانا عنده والليل داج ** على أبوابه حِلقاً عِزينا.

{يوم يَخْرجون من الأجداثِ سِراعاً} يعني من القبور.
{كأنهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} في {نصب} قراءتان: إحداهما بتسكين الصاد، والأخرى بضمها.
وفي اختلافهما وجهان:
أحدهما: معناهما واحد، قاله المفضل وطائفة، فعلى هذا في تأويله أربعة أوجه:
أحدها: معناه إلى علم يستبقون، قاله قتادة.
الثاني: إلى غايات يستبقون، قاله أبو العالية.
الثالث: إلى أصنامهم يسرعون، قاله ابن زيد، وقيل إنها حجارة طوال كانوا يعبدونها.
الرابع: إلى صخرة بيت المقدس يسرعون.
والوجه الثاني من الأصل أن معنى القراءتين مختلف، فعلى هذا في اختلافهما وجهان:
أحدهما: أن النُّصْب بالتسكين الغاية التي تنصب إليها بصرك، والنُّصُب بالضم واحد الأنصاب، وهي الأصنام، قاله أبو عبيدة ومعنى {يوفضون} يسرعون، والإيفاض الإسراع، ومنه قول رؤبة:
يمشين بنا الجد على الإيفاض ** بقطع أجواز الفلا انفضاض.

.سورة نوح:

.تفسير الآيات (1- 4):

{إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4)}
قوله عز وجل: {إنا أَرْسَلْنا نُوحاً إلى قَوْمِه} روى قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول نبي أُرسل نوح» قال قتادة: بعث من الجزيرة.
واختلف في سنه حين بعث:
قال ابن عباس: بعث وهو ابن أربعين سنة.
وقال عبد اللَّه بن شداد: بعث وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة.
وقال إبراهيم بن زيد: إنما سمي نوحاً لأنه كان ينوح على نفسه في الدنيا.
{أنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أن يأتيَهم عَذابٌ أَليمٌ} فيه وجهان:
أحدهما: يعني عذاب النار في الآخرة، قاله ابن عباس.
الثاني: عذاب الدنيا، وهو ما ينزل عليهم بعد ذلك من الطوفان، قاله الكلبي، وكان يدعو قومه وينذرهم فلا يرى منهم مجيباً، وكانوا يضربونه حتى يغشى عليه، فيقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
{يَغْفِرْ لكم مِن ذُنوبكم} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن (من) صلة زائدة، ومعنى الكلام يغفر ذنوبكم، قاله السدي.
الثاني: أنها ليست صلة، ومعناه يخرجكم من ذنوبكم، قاله زيد بن أسلم.
الثالث: معناه يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها، قاله ابن شجرة.
{ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسمى} يعني إلى موتكم وأجلكم الذي خط لكم، فيكون موتكم بغير عذاب إن آمنتم.
{إنّ أَجَلَ اللَّه إذا جاءَ لا يُؤخَّرُ لو كنتم تَعْلَمونَ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يعني بأجل اللَّه الذي لا يؤخر يوم القيامة، جعله اللَّه أجلاً للبعث، قاله الحسن.
الثاني: يعني أجل الموت إذا جاء لم يؤخر، قاله مجاهد.
الثالث: يعني أجل العذاب إذا جاء لا يؤخر، قاله السدي.
وفي قوله: {لو كنتم تعلمون} وجهان:
أحدهما: أن ذلك بمعنى إن كنتم تعلمون.
الثاني: لو كنتم تعلمون لعلمتم أن أجل اللَّه إذا جاء لا يؤخر، قاله الحسن.

.تفسير الآيات (5- 20):

{قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20)}
{قال رَبِّ إنّي دَعَوْتُ قَوْمي ليلاً ونهاراً} فيه وجهان:
أحدهما: دعوتهم ليعبدوك ليلاً ونهاراً.
الثاني: دعوتهم ليلاً ونهاراً إلى عبادتك.
{فلم يَزدْهم دُعائي إلاّ فِراراً} يحتمل وجهين:
أحدهما: إلا فراراً من طاعتك.
الثاني: فراراً من إجابتي إلى عبادتك.
قال قتادة: بلغنى أنه كان يذهب الرجل بابنه إلى نوح، فيقول لابنه: احذر هذا لا يغرنك فإن أبي قد ذهب بي غليه وأنا مثلك، فحذرني كما حذرتك.
{وإنِّي كلما دَعَوْتُهم لِتَغَفِرَ لهم} يعني كلما دعوتهم إلى الإيمان لتغفر لهم ما تقدم من الشرك.
{جعلوا أصابعهم في آذانهم} لئلا يسمعوا دعاءه ليؤيسوه من إجابة ما لم يسمعوه، قال محمد بن إسحاق: كان حليماً صبوراً.
{واستغْشَوا ثيابَهم} أي عطوا رؤسهم وتنكروا لئلا يعرفهم.
{وأَصَرُّوا} فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنه إقامتهم على الكفر، قال قتادة: قدماً قدماً في معاصي اللَّه لالتهائهم عن مخافة اللَّه حتى جاءهم أمر اللَّه.
الثاني: الإصرار: أن يأتي الذنب عمداً، قاله الحسن.
الثالث: معناه أنهم سكتوا على ذنوبهم فلم يستغفروا قاله السدي.
{واستكْبَروا استكباراً} فيه وجهان:
أحدهما: أن ذلك كفرهم باللَّه وتكذيبهم لنوح، قاله الضحاك.
الثاني: أن ذلك تركهم التوبة، قاله ابن عباس، وقوله {استبكارا} تفخيم.
{ثم إنّي دَعْوتُهم جِهاراً} أي مجاهرة يرى بعضهم بعضاً.
{ثم إني أعْلَنْتُ لهم} يعني الدعاء، قال مجاهد: معناه صِحْتُ.
{وأسَرَرْتُ لهم إسْراراً} الدعاء عن بعضهم من بعض، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه دعاهم في وقت سراً، وفي وقت جهراً.
الثاني: دعا بعضهم سراً وبعضهم جهراً، وكل هذا من نوح مبالغة في الدعاء وتلطفاً في الاستدعاء.
{فقلتُ استغْفِروا ربّكم إنّه كان غَفّاراً} وهذا فيه ترغيب في التوبة، وقد روى حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الاستغفار ممحاة للذنوب».
وقال: الفضيل: يقول العبد استغفر اللَّه، قال: وتفسيرها أقلني.
{يُرْسِلِ السماءَ عليكم مِدْراراً} يعني غيثاً متتابعاً، وقيل إنهم كانوا قد أجدبوا أربعين سنة، حتى أذهب الجدب أموالهم وانقطع الولد عن نسائهم، فقال ترغيباً في الإيمان.
{ويُمْدِدْكم بأموالٍ وبنينَ ويَجْعَل لكم جَنّاتٍ ويَجْعَل لكم أنهاراً} قال قتادة:
علم نبي اللَّه نوح أنهم أهل حرص على الدنيا، فقال هلموا إلى طاعة اللَّه فإن من طاعته درك الدنيا والآخرة.
{ما لكم لا ترجون للَّه وقاراً} فيه خمسة تأويلات:
أحدها: ما لكم لا تعرفون للَّه عظمة، قاله مجاهد، وعكرمة.
الثاني: لا تخشون للَّه عقاباً وترجون منه ثواباً، قاله ابن عباس في رواية ابن جبير.
الثالث: لا تعرفون للَّه حقه ولا تشكرون له نعمه، قاله الحسن.
الرابع: لا تؤدون للَّه طاعة، قاله ابن زيد.
الخامس: أن الوقار الثبات، ومنه قوله تعالى: {وقرن في بيوتكن} [الأحزاب: 33] أي اثبتن، ومعناه لا تثبتون وحدانية اللَّه وأنه إلهكم الذي لا إله لكم سواه، قال ابن بحر: دلهم على ذلك فقال: {وقد خلقكم أطواراً} في وجهان:
أحدهما: يعني طوراً نطفة، ثم طوراً علقة، ثم طوراً مضغة، ثم طوراً عظماً، ثم كسونا العظام لحماً، ثم أنشأناه خلقاً آخر أنبتنا له الشعر وكملت له الصورة، قاله قتادة.
الثاني: أن الأطوار اختلافهم في الطول والقصر، والقوة والضعف والهم والتصرف، والغنى والفقر.
ويحتمل ثالثاً: أن الأطوار اختلافهم في الأخلاق والأفعال.
{ألمْ تَروْا كيف خَلَق اللَّهُ سَبْعَ سمواتٍ طِباقاً} فيها قولان:
أحدهما: أنهن سبع سموات على سبع أرضين، بين كل سماء وأرض خلق، وهذا قول الحسن.
والثاني: أنهن سبع سموات طباقاً بعضهن فوق بعض، كالقباب، وهذا قول السدي.
{وجَعَل القَمَرَ فيهنّ نُوراً} فيه قولان:
أحدهما: معناه وجعل القمر فيهن نوراً لأهل الأرض، قاله السدي.
الثاني: أنه جعل القمر فيهن نوراً لأهل السماء والأرض، قاله عطاء.
وقال ابن عباس: وجهه يضيء لأهل الأرض، وظهره يضيء لأهل السماء.
{وجَعَل الشّمْسَ سِراجاً} يعني مصباحاً لأهل الأرض، وفي إضافته لأهل السماء القولان الأولان.
{واللَّه أَنْبَتكُم مِنَ الأرضِ نَباتاً} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يعني آدم خلقه من أديم الأرض كلها، قاله ابن جريج، وقال خالد بن معدان: خلق الإنسان من طين، فإنما تلين القلوب في الشتاء.
الثاني: أنبتهم من الأرض بالكبر بعد الصغر، وبالطول بعد القصر، قاله ابن بحر.
الثالث: أن جميع الخلق أنشأهم باغتذاء ما تنبته الأرض وبما فيها، وهو محتمل.
{ثم يُعيدُكم فيها} يعني أمواتاً في القبور.
{ويُخْرِجُكم إخراجاً} لنشور بالبعث.
{واللَّهُ جَعَل لكم الأرضَ بِساطاً} أي مبسوطة، وفيه دليل على أنها مبسوطة.
{لِتَسْلُكوا منها سُبُلاً فجاجاً} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: طرقاً مختلفة، قاله ابن عباس.
الثاني: طرقاً واسعة، قاله ابن كامل.
الثالث: طرقاًً أعلاماً، قاله قتادة.